كتاب: في ظلال القرآن (نسخة منقحة)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: في ظلال القرآن (نسخة منقحة)



ويغضب موسى- عليه السلام- غضبة رسول رب العالمين، لرب العالمين- يغضب لربه- سبحانه- ويغار على ألوهيته أن يشرك بها قومه! فيقول قولته التي تليق بهذا الطلب العجيب:
{قال إنكم قوم تجهلون}..
ولم يقل تجهلون ماذا؟ ليكون في إطلاق اللفظ ما يعني الجهل الكامل الشامل.
الجهل من الجهالة ضد المعرفة، والجهل من الحماقة ضد العقل! فما ينبعث مثل هذا القول إلا من الجهالة والحمق إلى أبعد الحدود! ثم ليشير إلى أن الانحراف عن التوحيد إلى الشرك إنما ينشأ من الجهل والحماقة؛ وأن العلم والتعقل يقود كلاهما إلى الله الواحد؛ وأنه ما من علم ولا عقل يقود إلى غير هذا الطريق..
إن العلم والعقل يواجهان هذا الكون بنواميسه التي تشهد بوجود الخالق المدبر؛ وبوحدانية هذا الخالق المدبر. فعنصر التقدير والتدبير بارز في هذه النواميس، وطابع الوحدة ظاهر كذلك فيها وفي آثارها التي يكشفها النظر والتدبر- وفق المنهج الصحيح- وما يغفل عن ذلك كله، أو يعرض عن ذلك كله، إلا الحمقى والجهال. ولو ادعوا العلم كما يدعيه الكثيرون!
ويمضي موسى- عليه السلام- يكشف لقومه عن سوء المغبة فيما يطلبون، بالكشف عن سوء عقبى القوم الذين رأوهم يعكفون على أصنام لهم، فأرادوا أن يقلدوهم:
{إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون}..
إن ما هم فيه من شرك، وعكوف على الآلهة، وحياة تقوم على هذا الشرك، وتتعدد فيها الأرباب، ومن يقوم وراء الأرباب من السدنة والكهنة، ومن حكام يستمدون سلطانهم من هذا الخليط.. إلى آخر ما يتبع الانحراف عن الألوهية الواحدة من فساد في التصورات وفساد في الحياة.. إن هذا كله هالك باطل؛ ينتظره ما ينتظر كل باطل من الهلاك والدمار في نهاية المطاف!
ثم ترتفع نغمة الغيرة في كلمات موسى- عليه السلام- على ربه والغضب له- سبحانه- والتعجب من نسيان قومه لنعمة الله عليهم- وهي حاضرة ظاهرة-:
{قال أغير الله أبغيكم إلهاً وهو فضلكم على العالمين}..
والتفضيل على العالمين- في زمانهم يتجلى في اختيارهم لرسالة التوحيد من بين المشركين. وليس وراء ذلك فضل ولا منة. فهذا ما لا يعدله فضل ولا منة. كما أنه اختارهم ليورثهم الأرض المقدسة- التي كانت إذا ذاك في أيد مشركة- فكيف بعد هذا كله يطلبون إلى نبيهم أن يطلب لهم إلهاً غير الله؛ وهم في نعمته وفضله يتقلبون؟!
وعلى طريقة القرآن الكريم في وصل ما يحكيه عن أولياء الله بما يحكيه عن الله- سبحانه- يستطرد السياق بخطاب من الله تعالى موصول بكلام موسى- عليه السلام- موجه كذلك لقومه:
{وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}..
وفي مثل هذا الوصل في القرآن الكريم، بين كلام الله- سبحانه- وما يحكيه من كلام أوليائه، تكريم أي تكريم لهؤلاء الأولياء لا ريب فيه!
وهذه المنة التي يمتنها الله على بني إسرائيل- في هذا الموضع- كانت حاضرة في أذهانهم وأعصابهم.
ولقد كانت هذه المنة وحدها كفيلة بأن تذكر وتشكر.. والله سبحانه وتعالى يوجه قلوبهم لما في ذلك الابتلاء من عبرة.. ابتلاء العذاب وابتلاء النجاة. الابتلاء بالشدة والابتلاء بالرخاء..
{وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم}..
فما كان شيء في ذلك كله جزافاً بلا تقدير. ولكنه الابتلاء للموعظة وللتذكير. وللتمحيص والتدريب. وللإعذار قبل الأخذ الشديد. إن لم يفلح الابتلاء في استصلاح القلوب!
وينتهي هذا المشهد بين موسى وقومه، ليبدأ المشهد الثامن الذي يليه.. مشهد تهيؤ موسى- عليه السلام- للقاء ربه العظيم؛ واستعداده للموقف الهائل بين يديه في هذه الحياة الدنيا؛ ووصيته لأخيه هارون- عليه السلام- قبل ذهابه لهذا اللقاء العظيم:
{وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}..
لقد انتهت المرحلة الأولى من مهمة موسى التي أرسل لها. انتهت مرحلة تخليص بني إسرائيل من حياة الذل والهوان والنكال والتعذيب بين فرعون وملئه؛ وإنقاذهم من أرض الذل والقهر إلى الصحراء الطليقة، وفي طريقهم إلى الأرض المقدسة.. ولكن القوم لم يكونوا بعد على استعداد لهذه المهمة الكبرى.. مهمة الخلافة في الأرض بدين الله.. ولقد رأينا كيف اشرأبت نفوسهم إلى الوثنية والشرك بمجرد أن رأوا قوماً يعكفون على أصنام لهم؛ وتخلخلت عقيدة التوحيد التي جاءهم بها موسى- عليه السلام- ولم يمض إلا القليل! فلم يكن بد من رسالة مفصلة لتربية هؤلاء القوم؛ وإعدادهم لما هم مقبلون عليه من الأمر العظيم.. ومن أجل هذه الرسالة المفصلة كانت مواعدة الله لعبده موسى ليلقاه ويتلقى عنه. وكانت هذه المواعدة إعداداً لموسى لنفسه، كي يتهيأ في هذه الليالي للموقف الهائل العظيم، ويستعد لتلقيه.
وكانت فترة الإعداد ثلاثين ليلة، أضيفت إليها عشر، فبلغت عدتها أربعين ليلة، يروض موسى فيها نفسه على اللقاء الموعود؛ وينعزل فيها عن شواغل الأرض ليستغرق في هواتف السماء؛ ويعتكف فيها عن الخلق ليستغرق فيها في الخالق الجليل؛ وتصفو روحه وتشف وتستضيء؛ وتتقوى عزيمته على مواجهة الموقف المرتقب وحمل الرسالة الموعودة..
وألقى موسى إلى أخيه هارون- قبل مغادرته لقومه واعتزاله واعتكافه- بوصيته تلك:
{وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين}..
ذلك وموسى يعلم أن هارون نبي مرسل من ربه معه. ولكن المسلم للمسلم ناصح. والنصيحة حق وواجب للمسلم على المسلم.. ثم إن موسى يقدر ثقل التبعة، وهو يعرف طبيعة قومه بني إسرائيل!.. وقد تلقى هارون النصيحة. لم تثقل على نفسه! فالنصحية إنما تثقل على نفوس الأشرار لأنها تقيدهم بما يريدون أن ينطلقوا منه؛ وتثقل على نفوس المتكبرين الصغار، الذين يحسون في النصيحة تنقصاً لأقدارهم!.
إن الصغير هو الذي يبعد عنه يدك التي تمتد لتسانده؛ ليظهر أنه كبير!!!
فأما قصة الليالي الثلاثين وإتمامها بالعشر الليالي فقال عنها ابن كثير في التفسير: فذكر تعالى أنه واعد موسى ثلاثين ليلة؛ قال المفسرون: فصامها موسى- عليه السلام- وطواها، فلما تم الميقات استاك بلحاء شجرة، فأمره الله تعالى أن يكمل العشرة أربعين..
ثم يأتي السياق للمشهد التاسع. المشهد الفذ الذي اختص الله به نبيه موسى- عليه السلام- مشهد الخطاب المباشر بين الجليل- سبحانه- وعبد من عباده. المشهد الذي تتصل فيه الذرة المحدودة الفانية بالوجود الأزلي الأبدي بلا وساطة؛ ويطيق الكائن البشري أن يتلقى عن الخالق الأبدي، وهو بعد على هذه الأرض.. ولا ندري نحن كيف.. لا ندري كيف كان كلام الله- سبحانه- لعبده موسى. ولا ندري بأية حاسة أو جارحة أو أداة تلقى موسى كلمات الله. فتصوير هذا على وجه الحقيقة متعذر علينا نحن البشر المحكومين في تصوراتنا بنصيبنا المحدود من الطاقة المدركة؛ وبرصيدنا المحدود من التجارب الواقعة. ولكننا نملك بالسر اللطيف المستمد من روح الله الذي في كياننا أن نستروح وأن نستشرف هذا الأفق السامق الوضيء. ثم نقف عند هذا الاستشراف لا نحاول أن نفسده بسؤالنا عن الكيفية، نريد أَن نتصورها بإدراكنا القريب المحدود!
{ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون}.
إننا لفي حاجة إلى اسحضار ذلك الموقف الفريد في خيالنا وفي أعصابنا وفي كياننا كله.. في حاجة إلى استحضاره لنستشرف ونحاول الاقتراب من تصوره؛ ولنشعر بشيء من مشاعر موسى عليه السلام فيه..
{ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك}..
إنها الوهلة المذهلة وموسى يتلقى كلمات ربه؛ وروحه تتشوف وتستشرف وتشتاق إلى ما يشوق! فينسى من هو، وينسى ما هو، ويطلب ما لا يكون لبشر في هذه الأرض، وما لا يطيقه بشر في هذه الأرض.
يطلب الرؤية الكبرى وهو مدفوع في زحمة الشوق ودفعة الرجاء ولهفة الحب ورغبة الشهود.. حتى تنبهه الكلمة الحاسمة الجازمة:
{قال لن تراني}..
ثم يترفق به الرب العظيم الجليل، فيعلمه لماذا لن يراه.. إنه لا يطيق..
{ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني}..
والجبل أمكن وأثبت. والجبل مع تمكنه وثباته أقل تأثراً واستجابة من الكيان البشري.. ومع ذلك فماذا؟
{فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً}..
فكيف كان هذا التجلي؟ نحن لا نملك أن نصفه، ولا نملك أن ندركه.. ولا نملك أن نستشرفه إلا بتلك اللطيفة التي تصلنا بالله، حين تشف أرواحنا وتصفو، وتتجه بكليتها إلى مصدرها. فأما الألفاظ المجردة فلا تملك أن تنقل شيئاً.. لذلك لا نحاول بالألفاظ أن نصور هذا التجلي.. ونحن أميل إلى اطراح كل الروايات التي وردت في تفسيره؛ وليس منها رواية عن المعصوم صلى الله عليه وسلم والقرآن الكريم لم يقل عن ذلك شيئاً.
{فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً}..
وقد ساخت نتوءاته فبدا مسوًّى بالأرض مدكوكاً.. وأدركت موسى رهبة الموقف، وسرت في كيانه البشري الضعيف:
{وخر موسى صعقاً}.
مغشياً عليه، غائباً عن وعيه.
{فلما أفاق}..
وثاب إلى نفسه، وأدرك مدى طاقته، واستشعر أنه تجاوز المدى في سؤاله:
{قال سبحانك}..
تنزهت وتعاليت عن أن ترى بالأبصار وتدرك.
{تبت إليك}..
عن تجاوزي للمدى في سؤالك!
{وأنا أول المؤمنين}..
والرسل دائماً هم أول المؤمنين بعظمة ربهم وجلاله، وبما ينزله عليهم من كلماته.. وربهم يأمرهم أن يعلنوا هذا، والقرآن الكريم يحكي عنهم هذا الإعلان في مواضع منه شتى.
وأدركت موسى رحمة الله مرة أخرى؛ فإذا هو يتلقى منه البشرى.. بشرى الاصطفاء، مع التوجيه له بالرسالة إلى قومه بعد الخلاص.. وكانت رسالته إلى فرعون وملئه من أجل هذا الخلاص:
{قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين}..
ونفهم من قول الله سبحانه لموسى- عليه السلام- {اني اصطفيتك على الناس برسالاتي}.. أن المقصود بالناس الذين اصطفاه عليهم هم أهل زمانه- فالرسل كانوا قبل موسى وبعده- فهو الاصطفاء على جيل من الناس بحكم هذه القرينة. أما الكلام فهو الذي تفرد به موسى- عليه السلام- أما أمر الله تعالى لموسى بأخذ ما آتاه، والشكر على الاصطفاء والعطاء، فهو أمر التعليم والتوجيه لما ينبغي أن تقابل به نعمة الله. والرسل- صلوات الله وسلامه عليهم- قدوة للناس؛ وللناس فيهم أسوة؛ وعلى الناس أن يأخذوا ما آتاهم الله بالقبول والشكر استزادة من النعمة؛ وإصلاحاً للقلب؛ وتحرزاً من البطر؛ واتصالاً بالله..
ثم يبين السياق ماذا كان مضمون الرسالة، وكيف أوتيها موسى:
{وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء}.
وتختلف الروايات والمفسرون في شأن هذه الألواح؛ ويصفها بعضهم أوصافاً مفصلة- نحسب أنها منقولة عن الإسرائيليات التي تسربت إلى التفسير- ولا نجد في هذا كله شيئاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنكتفي بالوقوف عند النص القرآني الصادق لا نتعداه. وما تزيد تلك الأوصاف شيئاً أو تنقص من حقيقة هذه الألواح. أما ما هي وكيف كتبت فلا يعنينا هذا في شيء بما أنه لم يرد عنها من النصوص الصحيحة شيء. والمهم هو ما في هذه الألواح. إن فيها من كل شيء يختص بموضوع الرسالة وغايتها من بيان الله وشريعته والتوجيهات المطلوبة لإصلاح حال هذه الأمة وطبيعتها التي أفسدها الذل وطول الأمد سواء!
{فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها}..
والأمر الإلهي الجليل لموسى- عليه السلام- أن يأخذ الألواح بقوة وعزم، وأن يأمر قومه أن يأخذوا بما فيها من التكاليف الشاقة بوصفه الأحسن لهم والأصلح لحالهم.. هذا الأمر على هذا النحو فضلاً على أنه يشي بضرورة هذا الأسلوب في أخذ هذه الطبيعة الإسرائيلية، التي أفسدها الذل وطول الأمد، بالعزم والجد، لتحمل تكاليف الرسالة والخلافة، فإنه- كذلك- يوحي بالمنهج الواجب في أخذ كل أمة لكل عقيدة تأتيها..